الرأي والتحليل

هشام أحمد المصطفى (أبو هيام) يكتب: سلام تعظيم لمحافظ مشروع الجزيرة المهندس ابراهيم مصطفى

مشروع الجزيرة بين الدمار وإعادة الإعمار: قراءة تحليلية.. الإدارة وجهود الحفاظ على المكتسبات

مقدمة
مشروع الجزيرة ليس مجرد مساحة زراعية مترامية الأطراف في وسط السودان، بل هو واحد من أهم المشاريع الزراعية المروية في أفريقيا والشرق الأوسط، ويمثّل العمود الفقري للأمن الغذائي السوداني منذ أكثر من قرن
فبنيته الهندسية الفريدة، التي تعتمد على الري الانسيابي من خزان سنار، مكّنته لعقود من أن يكون مصدر القمح والقطن ومحاصيل أخرى تساهم مباشرة في الاقتصاد الوطني وتشغّل آلاف الأسر من المزارعين والعاملين والفنيين
غير أن حروب السنوات الأخيرة وما رافقها من انهيار في مؤسسات الدولة لم تكن رحيمة بالمشروع إذ تعرّض لأكبر عملية تخريب ونهب في تاريخه كانت كافية لوقف الإنتاج الزراعي لأول مرة منذ مائة عام وتدمير أجزاء واسعة من بنيته التحتية.

IMG 20251130 WA0128
في ظل هذا الواقع برز الدور الإداري لمكتب المحافظ ومن ضمنه المهندس إبراهيم مصطفى الذي تولى إدارة المشروع في أصعب ظروف يمرّ بها دوره لم يكن تطويرياً بالمقام الأول فقد كانت الظروف تتجاوز ذلك بل كان دوره الأساس هو الحفاظ على ما تبقى من مكتسبات المشروع وتوثيق الدمار ومنع الانهيار الكامل ووضع أساس لمرحلة إعادة الإعمار
أولاً مشروع الجزيرة إرث تاريخي واقتصادي
مشروع تأسّس ليبقى
منذ بدايات القرن العشرين كان مشروع الجزيرة مثالاً لما يمكن أن تفعله الإدارة الزراعية الحديثة عندما تتكامل مع البنية الهندسية المتينة والتخطيط العلمي طويل المدى فقد صُمّمت قنواته ومحابسه على نحو يجعل من الري عملية دقيقة ومنتظمة دون الحاجة لضخ ميكانيكي مستمر
وتميز المشروع عبر تاريخه بـشبكة ري هندسية دقيقة تمتد مئات الكيلومترات
نظام زراعي منظم يقوم على مفتشين وفنيين
دور اقتصادي كبير في القطن والقمح
مساهمة اجتماعية في إعاشة مجتمعات واسعة حوله
بدايات التراجع قبل الحرب
حتى قبل اندلاع الحرب بدأ المشروع يعاني من تحديات متراكمة مثل
تهالك شبكة الري
ضعف التمويل الزراعي
دخول السوق في أزمات متكررة
تراجع دور الدولة في دعم المزارعين
مشكلات إدارية وديون وغياب الصيانة الدورية
هذه التحديات جعلت المشروع هشّاً في مواجهة الأزمات اللاحقة
ثانياً الدمار الذي لحق بمشروع الجزيرة أثناء الحرب
اعتداءات واسعة ونهب ممنهج
مع امتداد الحرب إلى ولاية الجزيرة تعرّض مشروع الجزيرة كمنشأة عامة لموجة من الاعتداءات والنهب
تذكر تقارير عديدة أنّ قوات الدعم السريع سيطرت على أجزاء واسعة من الولاية وتعرضت منشآت المشروع لاقتحامات أدت إلى
نهب معدات زراعية مثل الجرارات والحصادات وآليات الصيانة
تدمير وسرقة مركبات إدارية تتبع المشروع
تفكيك ورش الصيانة والاستيلاء على محتوياتها
نهب المخازن المركزية التي تضم تقاوي وأسمدة
إتلاف مكاتب ومؤسسات إدارية
اقتحام مساكن موظفي المشروع في بعض المناطق
تعطيل محطات المياه وإهمال القنوات
تأثير الضرر على القدرة الإنتاجية
أدّى هذا الدمار إلى توقف الزراعة لمساحات كبيرة من المشروع إذ اختفت البنية الداعمة للإنتاج من
ورش الصيانة
مخازن التقاوي
مراكز الإرشاد الزراعي
قنوات الري المتضررة
الجسور الترابية التي تعرضت للتخريب
المحالج التي توقفت بشكل كامل
وقد وصف بعض المزارعين الوضع بأنه أسوأ ما مرّ على المشروع منذ تأسيسه بالأخص بعد أن تعطلت دورة الإنتاج كاملة لموسمين متتاليين وهو أمر لم يحدث طوال تاريخه
أثر الدمار على المجتمع الزراعي
تسبب توقف المشروع في
نزوح مزارعين من أراضيهم
فقدان آلاف الوظائف الموسمية
انهيار اقتصاديات القرى المحيطة
ارتفاع تكاليف المواد الزراعية
فقدان الثقة في إمكانية استمرار الزراعة
وبهذا لم يكن الدمار مجرد تأثير تقني بل كان له انعكاس اجتماعي واقتصادي عميق
ثالثاً دور المهندس إبراهيم مصطفى في مواجهة الأزمة
التوثيق الدقيق للخسائر
أولى خطوات الإدارة كانت توثيق الأضرار وهي خطوة أساسية في أي عملية إعادة إعمار
التوثيق شمل
المنشآت المتضررة
المعدات المفقودة
القنوات التي تحتاج صيانة
المزارع التي دُمّرت
الورش التي نُهبت
حجم الخسارة في التقاوي والمواد الزراعية
هذا التوثيق مهم لأنه
يوفر أساساً لمطالبات رسمية بالتعويض
يساعد في تقدير تكلفة إعادة الإعمار
يحدّد أولويات الصيانة
يمنع ضياع حقوق المزارعين والعاملين
محاولة الحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية
رغم محدودية الموارد حاولت إدارة المشروع تقليل الخسائر عبر
وضع فرق ميدانية لحماية المتبقي من الأصول
إغلاق منشآت مهددة ونهب محتوياتها
إعادة السيطرة الإدارية على المنشآت عند الإمكان
حماية المحابس الرئيسية والقنوات الكبرى قدر الإمكان
الحفاظ على سجلات المشروع من الضياع
وجود محافظ بخلفية هندسية ساعد في تقييم القنوات والمحابس وتحديد المناطق الأكثر تضرراً فنياً
البقاء على اتصال مع المزارعين
الزيارات الميدانية رغم صعوبة الظروف الأمنية شكّلت نقطة مهمة في
طمأنة المزارعين
الاستماع لاحتياجاتهم
تقييم القدرة على إطلاق مواسم محدودة
الحفاظ على العلاقة بين الإدارة ومجتمع المشروع
وضع خطة أولية لإعادة الإعمار
اعتمدت الإدارة خطة من ثلاث مراحل
أولاً حماية ما تبقى
ثانياً توثيق الضرر
ثالثاً الإعمار التدريجي
الربط مع أجهزة الدولة
أحد أهم الأدوار كان رفع التقارير وتقديم طلبات دعم عاجل بهدف
ضمان وصول موارد للصيانة
توفير مواد زراعية للمزارعين
إعادة بناء منشآت حيوية
تنظيف القنوات قبل المواسم القادمة
رابعاً دور المحافظ في دعم المزارعين وإنجاح العروتين
دعم المزارعين خلال الظروف الطارئة
اتخذت إدارة المشروع خطوات عملية للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الزراعي
توفير مدخلات زراعية بديلة في المناطق الأقل تضرراً
إعادة توزيع التقاوي المتوفرة بطريقة عادلة
مخاطبة الجهات الحكومية والمؤسسات التمويلية لتقديم دعم عاجل
حصر خسائر المزارعين لضمان تعويض لاحق
إعادة تشغيل القنوات الرئيسة قدر الإمكان
إنجاح العروة الشتوية
إعادة تأهيل أجزاء من القنوات الرئيسة لإيصال المياه
تشغيل المحابس يدويًا بعد تعطل الآليات
تنسيق الري بين المزارعين لضمان وصول المياه لأكبر مساحة ممكنة
تحديد الأولويات للحقول القادرة على الإنتاج
الحفاظ على دورة الإنتاج الشتوية ومنع توقفها الكامل
محاولة إنجاح العروة الصيفية
فتح القنوات التي يمكن تشغيلها وصيانة الطمي العالق
تنظيم التناوبات المائية بين المزارعين لتقليل فاقد المياه
تشجيع زراعة محاصيل أقل احتياجاً للمياه في المناطق المتضررة
استخدام آليات المزارعين الخاصة لتشغيل المضخات
تقديم الإرشاد الفني لتقليل الخسائر
الأثر العام
منع انهيار الإنتاج الزراعي بالكامل
تقليل هجرة المزارعين من أراضيهم
الحفاظ على النشاط الاقتصادي في القرى
استمرار العروة الزراعية كممارسة حياتية أساسية للمشروع

IMG 20251130 WA0128 1
خامساً إعادة الإعمار والمسار المستقبلي
واقع الإعمار بعد الحرب
إعادة إعمار مشروع الجزيرة ليست عملية قصيرة لأن الدمار كبير جداً لذلك كان المسار العملي يشمل
صيانة عاجلة للقنوات والمحابس الرئيسية
تشغيل محطات ومرافق صغيرة
إعادة تأهيل المخازن وورش الصيانة الأساسية
تمكين بعض المساحات الزراعية للعمل محدوداً
تعزيز الثقة المفقودة
الحفاظ على النشاط ولو جزئيًا ساعد على إعادة الثقة بين المزارعين والإدارة وأظهر أن هناك إمكانية لمواصلة الزراعة عند تحسن الظروف
سادساً الأهمية الإدارية والتخطيطية لهذه التجربة
الإدارة الفنية كانت خط الدفاع الأخير لحماية السجلات والأصول
التوثيق يوفر أساساً للتعويضات والدعم المستقبلي
العمل ضمن الإمكانات المتاحة يحافظ على إمكانية الإنتاج مستقبلاً
خاتمة
تعرض مشروع الجزيرة طوال الحرب لدمار واسع ونهب لممتلكاته وانهيار أجزاء كبيرة من بنيته التحتية مما أدى إلى توقف الزراعة لأول مرة منذ مائة عام هذا الانهيار لم يكن تقنياً فقط بل أثر في المجتمع الزراعي والاقتصاد المحلي بشكل عميق
في هذه الظروف القاسية كان الدور الإداري والفني بقيادة إدارة المشروع منصبّاً على منع الانهيار التام وحماية ما تبقى من أصول وتوثيق الخسائر والبقاء على اتصال بالمزارعين والبدء في خطوات أولية لإعادة الإعمار
دعم المزارعين وإنجاح العروتين الشتوية والصيفية ولو جزئياً ساعد على استمرار النشاط الزراعي وتقليل آثار الدمار وهذا يؤكد أن الإدارة الفعّالة حتى في أصعب الظروف هي أساس استمرار مشروع يعتمد عليه مئات الآلاف من الناس
مشروع الجزيرة ليس مجرد أرض بل إرث وطني واستمراره يعتمد على إدارة واعية دعم مؤسسي ورؤية طويلة المدى تعيد بناء هذا الصرح الزراعي التاريخي.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى